|
حوار- أحمد رمضان
-
معظم فترة اعتقالنا
قضيناها في عربة الترحيلات
.
- المحكوم عليهم واسوني عند بكائي الشديد بعد
بالبراءة
- مزرعة طرة نموذج مصغر لما يحدث في مصر
- أسرتي اكتسبت خبرة 10 سنوات في سنة ونصف
كأنه عائد من رحلة أو قل إن شئت مِن سفر
للخارج؛ تزوَّد بما تحتاجه أسرته، ثم عاد
بأثمن الهدايا وأجمل الذكريات.. هذا هو الشعور
الذي ينتاب كل مَن يجلس مع د. أمير بسام أستاذ
الهستولوجي بطب الأزهر بأسيوط ؛ الذين حصلوا
على أحكام بالبراءة في مهزلة القضية العسكرية،
فهو بالفعل كان في رحلة جهادية في سجون
النظام، وكان في سفر لمدة سنة ونصف، مغتربًا
عن أسرته التي عاد إليها بأثمن الهدايا
الربانية؛ من صبر وثبات، وأجمل الذكريات التي
تنير الطريق.
جلسنا مع د. أمير بسَّام بضع دقائق طاف بنا
وجال في الفترة التي قضاها في مزرعة طرة، وشرح
لنا كيف أن السجن صورة مصغرة طبق الأصل من
مصر؛ فيه المصلحون والمفسدون والمستبدُّون،
كما عرج على مواقف الضحك والبكاء وغيرها مع
إخوانه في المعتقل، فإلى تفاصيل الحوار:
* كيف مرت عليك فترة
الاعتقال التي وصلت إلى سنة ونصف؟
** كنت أستشعر معية الله؛ فالإنسان عندما يكون
في معية الله يأنس به إذا كان في وحشة عن
الأهل، لكننا في استئناس بالله؛ فلله الحمد،
ارتبطنا بالمصحف مع إخواننا، فضلاً عن اللجوء
إلى الله، وبعد الفترة شعرنا أنها لحظات،
وعشنا قوله تعالى عن حال أهل القيامة ﴿إِنْ
لَبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْمًا (104)﴾ (طه) فكانت
السنة والنصف حلمًا؛ فأي ألم يزول ويبقى
الأجر، والمفترض أن يجتهد الإنسان منا في أن
يكون في رضاء الله؛ سواءٌ داخل السجن أو
خارجه.
* ما هي أحلك لحظة مررت بها؟
**
كانت عندما ذهبنا إلى المحكمة يوم النطق
بالحكم يوم 15 أبريل، وعلمنا قبل دخول القاضي
بما فعل الأمن بالأهالي وضرْب البنات، فأثَّر
فينا جدًّا، وشعرنا أننا بين نارَين؛ من أن
هناك أحكامًا مشدَّدةً علينا بالداخل،
والأهالي بالخارج يُضربون؛ حينها شعرنا
بالافتقار إلى الله سبحانه وتعالى، وقلنا "يا
رب ما لناش غيرك".
اللحظة الأخرى عندما أخذنا حكمًا بالبراءة
فبكيت بكاءً شديدًا؛ لدرجة أن أحد الضباط ظنَّ
أنني أخذت حكمًا بالسجن، وفوجئوا بأني أخذت
حكمًا بالبراءة، وكان إخواني يواسونني من كثرة
بكائي؛ لدرجة أني لم أذهب إلى المطعم معهم
للأكل، وظللت في الحجرة في حالة بكاء؛ لأنني
شعرت بكمِّ الظلم الواقع على إخواني في أحكام
عسكرية ظالمة وجائرة؛ من 10 سنوات و7 سنوات و5
سنوات؛ فهي فترات كبيرة جدًّا، خاصةً أننا
توقعنا أن يكون الحد الأقصى 3 سنوات؛ أيضًا
الشعور بأني سأترك إخواني كان قاسيًا، لكن
الحمد لله فرحتي بإخوان الخارج أحدثت توازنًا
ما.
* ما هو شعور الجنائيين تجاهكم بعد الأحكام؟
** أحد
المحكوم عليهم في أموال عامة اندهش لما شاهده،
وقال أنتم محترمون ومرتبطون ببعضكم جدًّا،
وتحبون بعضكم؛ لدرجة أن من أخذ حكمًا بالإفراج
حزين على زميله؛ بعكس الآخرين الذين يحسدون من
أخذ حكمًا بالإفراج؛ فإما أن يُلغى الإفراج أو
تحدث له مصيبة بعد خروجه!!.
* كيف كان تعامل إدارة السجن معكم؟
**
السجن صورة مصغرة للدولة، وكل الذي يمكن رؤيته
في مصر وجدناه في السجن، وهو مقسَّم لثلاثة
أقسام: المباحث، وإدارة السجن، وأمن الدولة؛
أما الإدارة العادية فهم ناس محترمة ومهذبة،
وينفِّذون الأوامر؛ أما المباحث فيرضون كل
الأطراف على طريقة "يعطيك من طرف اللسان
حلاوة"؛ أما أمن الدولة فهم من يديرون الأمور
من خلف الستار.
وأريد أن أؤكد أن سجن مزرعة طرة معمول لفرق
التفتيش التابعة لحقوق الإنسان؛ فلا يمكن
القياس عليه لحال السجون الأخرى؛ لأن حالتها
صعبة جدًّا.
* ذكرت أن السجن صورة مصغرة من مصر.. اشرح لنا
هذه الصورة؟
** ترى
أكثر من حالة؛ فالإخوان كناس مصلحين اجتهدنا
جوَّه السجن أن نصلحه؛ قمنا بتنظيف أماكن
كثيرة، وأزلنا أكوامًا من الحجارة بجهود ذاتية
منا، وعملنا مناطق مزروعة وورد على حسابنا،
وزرعنا مناطق خضرة جرجير وبقدونس، وكثيرون
جاءوا ليأخذوا ما نزرعه، كما تعاملنا بطريقة
جيدة مع الجنائيين؛ فقمنا بتسديد ديون بعض
المساجين ودفع كفالاتهم، وهو ما انعكس على
شهاداتهم علينا، وتأكيدهم بأننا أناس محترمون،
حتى القطط شعرت بكرم الإخوان، فكانت تلتف
حولنا مع أذان المغرب؛ حيث كنا نتناول الطعام
في هذا الوقت، تنتظر ما نعطيها من طعام.
أما
صورة باقي الطوائف فهناك الحرامية الذين سرقوا
ملايين من أموال الشعب يخدمهم المساجين؛ الذين
لا يستطيعون دفع كفالة مثلاً 500 جنيه غرامة
تموين، وما إلى ذلك، فيعمل ذلك المسجون الصغير
بأجر عند الذين سرقوا مليارات، وهؤلاء يجلسون
في الكافتيريا مع بعضهم البعض، ويلعبون التنس
معًا أيضًا؛ فصورة الطبقية موجودة حتى داخل
السجن، كما أن إدارة السجن تبيِّن أيضًا صورة
مصغَّرة لإدارة الدولة؛ فالإدارات الثلاث:
المباحث وأمن الدولة والشرطة العادية، تعمل ضد
بعضها البعض؛ 3 جهات الكل يعمل ضد الباقي بلا
استثناء، وكله خائف من بعضه، كما أنهم يمنعون
اختلاطنا بالجنائيين، وهنا أتساءل: هل هناك
ضرر في أن نصلح هذا الجنائي؟! لدرجة أن هناك
أحد الضباط الذي اعترف بأن هناك تعليماتٍ بعدم
الاختلاط بالجنائيين على الإطلاق، عندما يكون
هناك تفتيش ترى الجميع يتبارى في التنظيف ثم
يعود الوضع إلى ما هو عليه بعد أن ترحل فرق
التفتيش، لكن ما نزرعه نحن يظل باقيًا، لدرجة
أننا طلبنا كميات أخرى من التقاوي لنزرعها،
لكن إدارة اسجن رفضت، أيضًا حوَّلنا مقالب
زبالة إلى أماكن نظيفة، وحوَّلنا الصحراء
الجرداء إلى مناطق زراعية خضراء خصبة، فكل ما
سبق يوضح بما لا يدع مجالاً للشك من يريد
الإصلاح ومن يسعى في الإفساد.
أون-
أوف
* هل تذكر مواقف حدثت بينك وبين أيٍّ من
الضباط؟
**
ضباط الشرطة نظام "أون- أوف" يعني هو زي الفل
معاك، لكن عندما يتلقَّى أوامر انه يخنقك
هيخنقك، لكنه يفعل ذلك وهو حزين، لذلك فأنا
أعجب من هذه النفسية كيف يتعامل معك بصورة
طيبة، ولكن عندما تأتي له أوامر تجده شخصًا
آخر تمامًا.
وفي
هذا الصدد أتذكر أن أحد الضباط سألني عن إضراب
6 أبريل قلت له إن الإخوان منهجهم سلمي وضد
الفوضى، فشعرت أن الضباط أنفسهم تعبانين
جدًّا؛ لدرجة أني قلت لأحدهم في إحدى
الترحيلات إن ما يُفعَل بكم يمثِّل امتهانًا
لكم، خاصةً أن هذا الضابط برتبة رائد، يظل يلف
على السكرتارية ليوقِّع ورقة؛ فقلت له إن هناك
من يقوم بهذا العمل وليس ضابط الشرطة.
* صف لنا تعاملكم داخل السجن.. كيف كنتم تقضون
اليوم؟
**
الزنازين كانت مفتوحة لنا حتى الساعة 10
ليلاً، وكانت تدور نقاشات عامة في أحوال البلد
والأحوال العامة، لكن أغلب المدة قضيناها في
عربة الترحيلات؛ لأنه كانت هناك جلستان على
الأقل أسبوعيًّا؛ فكنا نعود إلى السجن ونحن في
قمة الإرهاق، خاصةً أن عربة الترحيلات ضيِّقة
والجو شديد الحرارة.
* وكيف كان حالكم في هذه اللحظات؟
** لم
يكن هناك جزَع إطلاقًا؛ لدرجة أن هناك من
الإخوة من كان يردِّد دائمًا أنه سيخرج لا
محالة؛ لأن ليس له ناقة ولا جمل في القضية،
وعندما صدر ضده حكم بالحبس عجبنا من البرد
الذي استقبل به الحكم، فضلاً عن أخوينا خيرت
الشاطر وحسن مالك، ولكن من يؤمن بالله يهدِ
قلبه؛ فالله تعالى يقدِّر البلاء واللطف في
نفس الوقت.
حكم
البراءة
* هل كنت تتوقع أن تحصل على حكم بالبراءة؟
**
إطلاقًا.. أنا كنت أتوقع حكمًا بسجني؛ لأن
وضعي في القضية كان معقَّدًا؛ حيث كنت على ذمة
قضية أحداث العرض الرياضي لطلاب الأزهر
والتمويل للجماعة؛ فكانت لي تهمتان، وقلت إذا
أفلتُّ من إحداهما فلن أفلت من الأخرى.
* أثناء الزيارات.. ماذا كنت تقول لأسرتك؟
** كنت
أحدثهم عن الصبر والثبات، وكانت فرصة لأن
أتكلم معهم في الأمور العامة ، وأود أن أشير
هنا إلى أن هذه الفترة أحدثت طفرةً أيضًا مع
أولادنا؛ حيث شعرت أنهم نضجوا وتعلموا خلال
السنة والنصف هذه ما لم أستطع أن أعلمهم إياه
في 10 سنوات؛ فاستفدنا منها على مستوى الفرد
والأسرة التي عرفت قضيتها ووصلت لحالة من
النضج والعزيمة والقوة عالية جدًّا.
* ما هي المواقف التي كنتم تتندَّرون بها في
معتقلكم؟
** كان
د. خالد عودة على غير العادة يحب الطرف والنكت
جدًّا؛ فكان كثير الطرف وكنا نضحك كثيرًا.
عندما بكيت
* وما الذي أبكاك خلال تلك الفترة؟
** لم
يبكِني شيء إلا عندما سمعت حكم براءتي كما
ذكرت؛ لدرجة أني وصلت لحالة هستيرية وقلت
لعمرو ابني لم أبكِ على جدك هذا البكاء، فقال
لي: "وأنا يا أبي لم أبكِ على اعتقالك قدر
بكائي على حصولك على البراءة"، فكنا في
المعتقل أسرةً واحدة، وانتقل هذا الإحساس إلى
أسرنا فأصبح لديهم هم واحد.
* ما الشيء الذي تتذكره أثناء تلك الفترة ولا
تنساه؟
** من
ضمن الأشياء الجميلة داخل السحن أننا تدرَّبنا
على تداول السلطة؛ فكان كل 3 يتولون مسئولية
العنبر كل شهرين، ثم يتولى 3 آخرون، وهكذا،
وكان م. الشاطر ود. بشر مشرفَين؛
* وماذا عن يوم البراءة؟
** في
يوم الخميس كنا "حنعمل حفلة بالليل"، ثم
أجَّلناها بعد الجمعة، وكنت أحضِّر خطبة
الجمعة؛ فجاء الأمن وأخذنا قبلها، وكنا نلتف
حول الأخ الخارج، ونقول له: الله غايتنا،
ونوصله حتى الباب.
|